الذي ابكى شجرة السنديان..
كتبهارياض شحادة ، في 7 كانون الأول 2006 الساعة: 14:23 م
د.زهير طاهات*
* الدكتور : هو استاذي في مادة الاتصال والمجتمع ،والخبر والتحقيق الصحفي ، ويسرني استضافته على مدونتي من اجل تعريفكم بما يكتبه .
يتساقط الندى من اوراق شجرة السنديانة العتيقة بسخاء، وتسكبه دموع من مسامات اوراقها تجري بسرعة باتجاه حوض النعناع، الذي زرعته تلك الايادي الابويه البيضاء، ويعطر المكان برائحته الزكية في ذلك البيت الصغير ،الذي يقبع بعيدا على حافة الد نيا، في بعض ازقة مخيم غزة ،حزينة هي ،على فراق من زرعها ،ولم تعد تراه، بعد ان رحل بعيدادون وداع.
ويستيقظ ابناءالحي المجاورلمنزل فؤاد ابو غزاله ا"ابو ايمن" ، احد ساكنيه الذين هجروا عن بلادهم قصرا.. على صوت بكاء ابنته ايمان "المنغولية" ،التي لم تتجاوزالست سنوات،والتي كانت تملأ الحي بهجة،في كل وداع لابيها كل صباح .
يقول أحد المجاورين محمد اسعد : بان ايمان كانت تعطي الجميع الامل بابتسامتها، وضحكاتها الصباحية ….و كنت استيقظ على اغانيها، وعلى ايقاع رقصاتها ،حين تودع اباها، كل صباح قبل ذهابه الى عمله في المدينة الحرفية،لمدينةجرش وتكون محمولة على كتفيه حتى تصل الى نقطة الوداع …. لتعود وتبقى يداها الصغيرتان تلوحان بالوداع حتى يختفي عن الانظار، وتتمتم بلغة تكاد تكون غير مفهومه للبعض… بابا لا تتاخر!نحن بانتظارك.
وتصحو ايمان قبل طلوع الشمس ،تراقب اباها ،يسبق صوتها صوت الديك وطيور القطا التي تستطيع ان تحلق عاليا في السماء وقبل اخوانها الثمانية… ترفرف
كفراخ القطا في العش فرحا وتزف اباها في لحظة وداع اسطورية بالاغاني والاهازيج الطفولية وبرقصاتها وبضحكاتها البريئة لتصبح اغلى ابنائه عليه رغم اعاقتها.
وفي كل يوم تسأل والدتها الف سؤال وسؤال، عن عودة ابيها ،حتى يأتي المساء لتبدأ لحظات انتظار اللقاء مع ابيها، في عودته الى المنزل وهي تنتظرعلى نافذة غرفة الزينكو التي خصصت لها ولاخوانها بعد ان تتعب عيونه وهي تحاول النظر من خلال ثقوبه.
تضع يديها الصغيرتين على خدها ولا تكلم احدا, تنتظر لحظة اللقاء التي انهكتها مساء سبت طويل , وتبقى الاسرة تنتظر عودة الاب، من برج المراقبة، الذي تكفلت به ايمان ،لتغيب الشمس ،ويلف البيت السكون، والكل ينتظر صافرة ايمان، بعودة الاب رمز الحنان وعمود البيت ونوره الوضاء… لكنه لم يصدرعن ايمان اي اشارات ،اوعلامات، لعودة الاب، الذي تنطلق كعادتها اليه ويلحق بها الجميع في فرحة كل لقاء.
وبقيت ايمان تراقب صامتة حزينة تذرف الدموع بصمت وخوف وشعور بعدم الامان بعد ان اسدل الليل ستاره ليتسلل البرد والرعب من عتمة الليل واشباحه، وسيطر على الجميع القلق والترقب والخوف من صمت وبكاء ايمان فلا يسمعون الا بكاءها المرير،يتمازج معه اصوات الواح الزينكو التي تطرق بعضها بعضا, ليخرج منها اصوات مخيفة وكانها ناقوس خطر تنذر بما هو آت من انباء لا تسر بشرا وتبكي الجماد والحجر.
الكل ينتظر من ايمان، ان تنبئهم بعودة نور البيت، ومفتاح سعادته ،ينتظرون ان يملاؤابطونهم الجائعة، مما يحضره الاب من مأكولات وخيرات مقابل جهده وحصيلة عرقة المتصبب تحت اشعة الشمس الحارقة وبرودة الارض ، وعيون ايمان مفتوحة تجوب الدنيا باحثة عن ابيها ، وعندما تجوع تتذكر علبة العصير والبسكويت عند كل مساء من ابيها.
وانتصف الليل ، وايمان تنظر بدرها الذي يبدد حلكة ليلها وسواده ، لكنه لم يطل بدرها لتبدأ ببكاء صامت ودموع سخية كانه ذرات جمر حارقة ثم يتحول بكاءها الى نحيب وصراخ، ينظر لها الجميع بدهشة,لتثير الاستغرب لدى الجميع ومن الاسئلة. ما بال هذه المنغولية تصرخ ؟ ماالذي جرى؟ وتحركت مشاعر العاطفة عند الجميع، وبدا القلق واضحا في انفسهم ،وتغيرت احاسيس الأم، وانفجرت باكية، ويتبعها اطفالها الثمانية وعيونهم دامعة تنظر من ثقوب الزينكويبحثون عن ظل ابيهم، لتعطيهم املا ، وطال الانتظار،ونامت كل البشر،وغطت فراخ القطا في نوم عميق , لكن عائلة فؤاد تجلس على جمر الانتظار ، لكن لا فائدة من الانتظار.
وقررت "ام ايمن" زوجة فؤاد ان تنطلق بسرعةالى بيت اهل زوجها، لتسألهم لكنها لم تجد احدا منهم في البيت، فطار عقلها ،وجن جنونها، وازداد خوفها، واخذت تجري بدون عقل داخل ازقة المخيم، تصرخ، وتتوسل لجيرانها، ان يخبروها عن زوجها ، الكل في سبات عميق الا تلك العجوز التي تقدمت نحوها ، واطلعتها على خبر الحادث ،الذي حصل مع زوجها ابو ايمن خلال قيامه باصلاح احدى السيارات، وانقلبت على رجليه لتصيبهما" بالغرغرينا" حيث قرر الاطباء بتر رجليه والان هو تحت رحمة الله.
فاخذت تبكي وتتوجه الى الله ان يرحم زوجها ويشفيه, لتعود ليتها محطمة القلب حزينةالروح ,وتصبح داخل ظلمتين حالكتين, ظلمة الليل, وظلمة غياب نورها في داخلها وتيه وظباب يلف حاضرها ومستقبل ابنائها .
الا ان ايمانها بالله ساندها في العودة الى المنزل تحاول ان تتماسك امام اطفالها الذين ينتظرون عودة ابيهم على جمر القلق والخوف … ربطت جأشها وهي تقول سيأتي وهو بخير.. الا ان دموعها خانتها و كشفت حقيقتها, ..ثم صرختها الحزينه وغيبوبتها على باب منزلها, فانكشف الامر لاطفالها الذين جلسوا ينتظرون عودة ابيهم الى المنزل يستقبلونه بالبكاء والحزن ، بدل السعادة والامل يذرفون الدموع بسخاء حتى دخل اليهم على كرسي عجلات يدفع به اخوه داخل ساحة المنزل ليلتف حوله ابنائه في مشهدانساني شديد الحزن والالم .
وانطلقت ايمان مسرعة الى الكرسي تقبل اباها تبكي وهي تلف يديها حول عنقه تسال اين العصير والبسكوت يا ابي؟ تلعثم ابوها حاول ان يجيبها الا ان دموعه خانته وضعفت ارادته , ودموعه التي انصهرت نارا على وجنتيه, لم يستطع ان يتماسك للحظة واحدة امام ابناؤه, لينفجر باكيا, وايمان تمسك بيده تحاول تهدئته ،لا تبك يا ابي سانتظر غدا لنذهب سوية لشراء العصير والبسكويت انا لست زعلانة عليك. ثم نظرت الى اخوانه يحملونه الى فراشه, فغضبت منهم ، واخذت تضرب بهم وتدفعهم عن ابيها وتقول لا ..لا اتركونه ، لا تحملونه ، ابي قادر على ان يقف على رجليه ثم مدت يديها تحسس على ركبتيه التي تعودت الجلوس عليها ,لم تجد شيئا الا الشاش الابيض ونصف انسان فقط . فاخذت تصيح في وجوههم اين نصف ابي الاخر اين رجلاه ؟ وتبكي اريد ان تعيدوا الان رجليه اليه؟ وتتجه الى ابيها من سرق رجليك يا ابي؟ الحرامية ! أم اليهود ! وكثير من الاسئلة القتها عليه كانت تدور في خلدها الطفولي.
وهكذا تحول فؤاد ابو غزالة ,الذي يعمل بمهنة حدادة ودهان السيارات ,من منتج يعمل ويبني في ارض الوطن, بابداع وصدق لا مثيل له لكل من عرفه، الى عاطل عن العمل ،بدون اي تقاعد اوضمان اجتماعي وبدون تأمين صحي ,ولديه ثمانية اطفال من البنات والابناء وزوجه تعاني من مرض مزمن.
كان يلتقط رزقه كما هي الطير تغدو جياعا وتعود خماصا اذن من ينقذ هذه الاسره من الفقر والعوز الذي اصبحت فيه؟.
وتقول الزوجة ام ايمن المؤمنة بقدر الله وبما حصل لزوجها بان اصرار فؤاد على العمل بعد اصابته التي افقدته رجليه من اطراف الحوض امر غريب فهو لم يتعود الجلوس في البيت ويريد أن يعيش بكرامة ويكسب رزقه من عرق جبينه .
وتضيف انه عندما ذهبنا الى احدى المراكز الصحية لتركيب اطراف صناعية حتى يتمكن من قضاء حاجته طلب منا ستة آلاف دينا ر,لكن هل نستطيع ان نحصل على هذا المبلغ ونحن نحلم ان نبني سقفا من الاسمنت بدل الزينكو ليحمينا من دلف الشتاء وبرده القارس .
واستمر ابو ايمن على مدار شهر يحاول كل صباح ان ينهض من فراشه, للذهاب الى العمل, ولا تزال ايمان المنغولية تستيقظ باكرا لوداع ابيها لكنها هذه المرة تجلس بجانبه تبكي وتصرخ تريد ان تعرف من الذي سرق رجلي ابيها .
ودارت الايام والحزن يسكن ارجاء منزل ابو غزاله , والاسئلة معلقة على جدران الواح الزينكو , في مخيم غزة ,وصدى مواله الجريح يدوي في كل مكان, وبعد مضي اشهر معدودة قبل ايام هاجمه هادم الملذات ومفرق الجماعات , ليرحل ابو ايمن وهو يقف على رجلين خشبيتين في سعيه للحصول على الخبز بكرامة رافضا ان يمد يده الى احد ، ويرحل دون وداع ،تاركا للمجهول ايتامه يعانون البرد القارس شتاء والجمر اللاهب في الصيف يداهمهم الفقر والجوع وظلمة الايام والقدر ، ولا يزال بكاء ايمان مع ايتامه لا ينقطع حزنا وكمدا على حاضنة الحنان ,وساحة الامان، واستطاعت صرخة ايمان في رحيل ابيها الاخير ان تبكي شجرة السنديانة التي زرعتها ايادي والديه التي احضروها من رحم ارض فلسطين الطهور وتمكنت ان تحفر في صخر الايام غرسة الامل ,لكنها لم تستطع ان تخترق القلوب القاسية التي تعيش في ترف وتبذير فلا بد ان تمتد الايدي البيضاء الى عتمة ابناء فؤاد ابو غزالة الذي كانت يدها تبني وتزرع الامل والحب في حقول الوطن الرحبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ضيوف المدونة | السمات:ضيوف المدونة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 28th, 2006 at 28 ديسمبر 2006 12:07 م
سبحان الخلق .
دكتورك اخي رياض اجاد في تقريب الصورة لنا .
اذا كان مواقع اخرى تعرفها عن هذا الموضوع الرجاء ان توصلنا بها .
ديسمبر 31st, 2006 at 31 ديسمبر 2006 5:53 م
النور يسطع في الظلام خارقا لجته وان تراكمت والحب الساطع من القلوب يصهر الارض والفولا ومجاميع الظلم هيهات لنا ان نرى الظلام المطبق حولنا لولا الضياء التي تكشف عمقه
ديسمبر 31st, 2006 at 31 ديسمبر 2006 5:58 م
الشجر والحجر تنقل همومهم والروح التي تب في اعماقه لكن انسان اليوم غارق في جنونه لا يرى نفسه لان المرايا تكسرت فنحن بحاجة الى ان نرى انفسنا بمرايا ولو كانت شذايا معلقة في ظلمات انفسنا
كم من غريق يترنح في قهره والكل يسير دون ان يراعي الاسباب ، هلم يا بني يعرب فاكشفوا الظلم وعالجوا الاسباب التي ادت بنا ان نقف علىقارعة الطريق ، قهرا
يا ريتني اكون قبسة من نور اضيء دروبهم بعلم او بكلمة صدق او اسمع نواح تلك الاشجار التي يحاول البعض قطعها خوفا من ان تضلل الفقراء
ديسمبر 31st, 2006 at 31 ديسمبر 2006 6:02 م
لقد الهبت مشاعري كلما اقرأها وابكي من ضعفي وهواني عندما اسمع الاشحار تشرح قصة وعن معاناة شعب قد تاه في الطرقات ، وضاعت امانيه وسلب ارضه التي ابتعلها العفريت تحت الشمس في وسط النهار ، هل من قلوب تشعر بألم الغلابا والمقهورين في الارض ، هل هناك من يشعر بشعور اولاءك الذين هم في امس الحاجة الى ان نمد ايدينا اليهم ، الى متى ستبقى قوبنا مقفلة وعقولنا مخدرة وجباهنا في الوحل ملطخة ونحن امة التوحيد امة الضاد امة لا تنام مادامت الشمس تشرق
يناير 7th, 2007 at 7 يناير 2007 12:43 م
تشاؤم في مدونتي ..
سامحكم الله .. كنت اتمنى منكم ردود اخرى غير الشفقة ومعاني الاسى التي اشتمها من تعليقاتكم ز
اخوتي ..في الدنيا الكثير من الهموم والماسي ..ولكننا نعرف كمسلمين مؤمنين بالله انها دار ممر لا مستقر ,
وتذكروا ان وطننا الاصلي الجنة واننا عائدون اليه برحمة الله اولا واخيرا ..
احبك في الله